تحولت أمنية بسيطة بالعثور على الحب في فيلم الرعب «Obsession» إلى كابوس عن الهوس وفقدان الإرادة، قبل أن تتحول رحلة الفيلم نفسها إلى قصة نجاح لافتة؛ إذ انتقل العمل من إنتاج محدود الميزانية إلى واحدة من مفاجآت شباك التذاكر في 2026، وفتح أمام صناعه الشباب فرصاً جديدة في هوليوود.
كتب كاري باركر الفيلم وأخرجه وتولى مونتاجه، بينما تجسد إندي نافاريت شخصية نيكي أمام مايكل جونستون الذي يؤدي دور بير، الشاب الذي يعجز عن الاعتراف بحبه لصديقة طفولته. وفي محاولة لحسم مشاعره، يلجأ بير إلى تعويذة غامضة تُعرف باسم «One Wish Willow»، ويتمنى أن تحبه نيكي أكثر من أي شخص آخر.
تتحقق الأمنية، لكن الحب سرعان ما يتحول إلى تعلق قهري واستحواذ خطير، فيما تفقد نيكي تدريجياً قدرتها على التحكم في جسدها وتصرفاتها، لتتحول الأمنية التي بدأت كرغبة عاطفية إلى تجربة مرعبة تسلب إحدى الشخصيات أهم ما تملك: حقها في الاختيار.
عُرض «Obsession» للمرة الأولى ضمن برنامج Midnight Madness في مهرجان تورونتو السينمائي عام 2025، قبل طرحه تجارياً في الولايات المتحدة في مايو 2026. وصُوّر الفيلم خلال 20 يوماً بميزانية قُدرت بنحو 750 ألف دولار، لكنه حقق 17.2 مليون دولار في افتتاحيته الأميركية، ثم ارتفعت إيراداته في أسبوعه الثاني بنسبة 39%.
وبحلول يونيو، تجاوزت إيرادات الفيلم عالمياً 234 مليون دولار، ليصبح واحداً من أبرز الأفلام ذات الميزانيات الصغيرة التي لفتت الأنظار خلال العام.
وبعد نحو عام من انطلاق رحلته في تورونتو، عاد باركر ونافاريت إلى المهرجان للحديث عن تحول الفيلم إلى ظاهرة ثقافية، خلال مائدة مستديرة مخصصة لناخبي جولدن جلوب حضرتها «الشرق».
من الهوس إلى فقدان السيطرة
قال باركر إن استقبال الفيلم كان «مفاجئاً ومثيراً»، مشيراً إلى أن تحوّل العمل إلى ظاهرة هو تحديداً ما يأمل أي مخرج في الوصول إليه.
وأوضح أن فكرة الفيلم لم تبدأ من العنصر الخارق للطبيعة، بل من اهتمامه بفكرة الهوس باعتبارها جزءاً من الطبيعة الإنسانية. فالإنسان قد يصبح شديد التعلق بألعاب الفيديو أو الموسيقى أو أي شيء يحبه، لكن هناك، بحسب رؤيته، نقطة فاصلة بين الاهتمام الطبيعي والوصول إلى حالة تفقد فيها الرغبة حدودها.
ومن هنا نشأت فكرة شخص مهووس بشخص آخر، قبل أن يضيف إليها مفهوم «احذر ما تتمناه» والعنصر السحري الذي جمع أجزاء القصة.
وترى نافاريت أن الرعب الحقيقي في «Obsession» لا يرتبط بالتعويذة وحدها، وإنما بفكرة فقدان السيطرة. فخوف بير يمنعه في البداية من الاعتراف بحبه لنيكي، لكن قراره باستخدام الأمنية ينتهي بحرمانها هي من السيطرة على جسدها وإرادتها.
أما باركر، فأوضح أن أفلام الاستحواذ غالباً ما تروي الأحداث من منظور شخص يشاهد أحد أفراد عائلته وقد سيطرت عليه قوة غامضة، بينما يحاول «Obsession» الاقتراب من تجربة الشخص المستحوذ عليه نفسه، وطرح سؤال مختلف: كيف يشعر الإنسان عندما لا يعود قادراً على التحكم في نفسه؟
من الضحية إلى المسؤول عن المأساة
يترك الفيلم مساحة واسعة أمام الجمهور لتحديد موقع كل شخصية بين الضحية والمسؤول عن المأساة. فعلى الرغم من السلوك العنيف الذي يصدر عن نيكي، يبقى بير مسؤولاً عن الشرارة الأولى للأحداث، بعدما استخدم الأمنية لفرض مشاعر لم تخترها هي وسلبها حقها في تقرير ما تريده.
وقال باركر إنه يفضل ترك مساحة للجمهور للوصول إلى تفسيره الخاص بدلاً من تقديم إجابة مباشرة. وأشار إلى تجربته السابقة في صناعة الأفلام القصيرة ونشرها عبر الإنترنت، حيث اعتاد تلقي ردود فعل ونظريات من المشاهدين.
ويظهر ذلك في أحد مشاهد الفيلم عندما يسأل بير نيكي: «ما السيئ في أن تكوني معي؟»، في لحظة تكشف الطريقة التي ينظر بها إلى رغبته، وكأنها تمنحه الحق في تحديد ما ينبغي أن تكون عليه حياة شخص آخر.
وترى نافاريت أن الجدل حول الضحية والمسؤولية يمثل أحد أهم أسئلة الفيلم، لأن قراءة الأحداث تختلف باختلاف تجارب المشاهدين ومنظورهم الأخلاقي. وأوضحت أن الفيلم يروي هذه الحالة تحديداً من منظور نيكي، من دون محاولة فرض إجابة واحدة على الجمهور.
بناء شخصية نيكي
قالت نافاريت إنها أرادت أن تحتضن الجوانب القاسية وغير المثالية في شخصية نيكي، لأنها ترى أن هذه الجوانب يمكن أن تحمل قدراً من الصدق والإنسانية.
وحاولت الموازنة بين الجانب الإنساني للشخصية والظرف الاستثنائي الذي تمر به، مع ضبط مستوى الانفعال والحركة بما يتناسب مع حالتها النفسية. وفي بعض المشاهد، لم يكن الأداء قائماً على الانفعال وحده، بل على وعي الشخصية بما يحدث حولها، وهو ما جعلها وباركر يتعاملان مع بعض لحظات الأداء باعتبارها أشبه بتصميم حركي دقيق.
كما اعتمد الانتقال السريع بين نيكي الخاضعة للتعويذة ونيكي الحقيقية على التحكم في إيقاع الأداء. وقالت نافاريت إنها كانت تتعمد الإبطاء عندما تشعر بالتوتر أثناء التصوير، بما يجعل الجمهور غير قادر على توقع الخطوة التالية للشخصية، ويمنحه فرصة لملاحظة التحول في عينيها قبل أن يظهر في سلوكها.
ورغم قلة اللحظات التي تستعيد فيها نيكي وعيها، حرصت نافاريت على ألا يفقد الجمهور ارتباطه بالشخصية الأصلية أو ينسى أنها تمر بتجربة قسرية.
أما تكرارها لعبارة «لماذا لا تحبني؟»، فلم يكن مصمماً، بحسب نافاريت، بهدف صناعة لحظة أيقونية، بل جاء من حاجة إنسانية أساسية إلى الحب والاهتمام. وترى أن هذه الحاجة تبدأ منذ الطفولة وتؤثر في بناء تقدير الإنسان لذاته، لكنها قد تتحول إلى مصدر للألم عندما لا تجد استجابة.
فيلم أصلي بميزانية محدودة
يرى باركر أن صناعة فيلم يعتمد على فكرة أصلية أصبحت أكثر صعوبة في ظل انتشار الأجزاء الجديدة وإعادة إنتاج الأعمال والعلامات التجارية السينمائية المعروفة، لكنه يأمل أن يشجع نجاح «Obsession» على منح القصص الجديدة فرصة أكبر.
وقال إن العمل بميزانية محدودة منذ البداية أجبره على البحث عن حلول بصرية وسردية مبتكرة، ومن بينها الاعتماد على ما لا يراه المشاهد بوصفه جزءاً من صناعة الرعب؛ فصوت شخص خلف جدار، على سبيل المثال، قد يكون أكثر تأثيراً من ظهوره أمام الكاميرا.
ولا يريد باركر التخلي عن هذه الأدوات مع ارتفاع ميزانيات مشروعاته المقبلة. ويرى أن بساطة قصة «Obsession» ومحدودية مواقع التصوير لم تكن عائقاً أمام الفيلم، لأن جوهر العمل قائم على الشخصيات والصراع.
كما يرى أن يوتيوب لعب دوراً مهماً في مسيرته، لأنه أتاح له إثبات امتلاكه رؤية سينمائية واضحة قبل الانتقال إلى الإنتاج الأكبر. وبالنسبة إليه، يستطيع المنتج الذي يبحث عن مخرج جديد أن يكتشف قدراته من خلال فيلم قصير يمتلك أسلوباً واضحاً وخيارات موسيقية مميزة وقصة يستطيع صاحبها تقديمها من البداية إلى النهاية.
وحذر في الوقت نفسه من اعتبار فكرة رائجة على Reddit أو امتلاك حقوق ملكية فكرية معروفة ضماناً لنجاح الفيلم، مؤكداً أن نقطة البداية يجب أن تكون المخرج والقصة التي يؤمن بقدرته على تحويلها إلى تجربة بصرية.
النجاح يفتح أبواباً جديدة
قال باركر إن نجاح «Obsession» منحه مساحة أكبر لاختيار مشروعاته المقبلة. وكشف أنه كان يطور عملاً جديداً مع كوبر توملينسون، وحصل المشروع سريعاً على الضوء الأخضر بعد نجاح الفيلم، لكنهما أعادا تقييم الفكرة وقررا الانسحاب منها.
ووصف النجاح بأنه «نعمة ونقمة»، لأنه يجعل كل فكرة تبدو قابلة للتنفيذ، ما يزيد صعوبة اختيار المشروع التالي. كما أقر بأن نجاح فيلمه الأول خلق ضغطاً داخلياً للتفوق عليه، لكنه يحاول ألا ينظر إلى مشروعاته المقبلة من زاوية «كيف أتجاوزه؟»، بل يركز على تقديم أفكار وتجارب جديدة تثير اهتمامه.
أما نافاريت، فقالت إن نجاح الفيلم علّمها الاستمتاع باللحظة من دون التشبث بها، معتبرة أن ظهور مواهب جديدة كل عام أمر طبيعي وملهم، وليس تهديداً. وترى أن «Obsession» منحها ثقة أكبر في قدرتها على تقديم شخصيات إنسانية حتى عندما تمر بظروف شديدة التطرف.
جيل Z والعودة إلى دور السينما
يرى باركر أن انتماءه إلى جيل Z ساعده في كتابة حوارات قريبة من الطريقة التي يتحدث بها مع أصدقائه في حياته اليومية، لكنه يتحفظ على تقسيم المجتمع بصورة مستمرة إلى أجيال منفصلة.
كما تحدث عن صعوبة اختيار ما يستحق المشاهدة في ظل وفرة المحتوى، مشيراً إلى أن المشاهد قد يقضي وقتاً طويلاً في البحث على منصات البث قبل أن يقرر ما سيشاهده.
وفي المقابل، يرى أن دور السينما لا يزال مساحة مختلفة، لأنها تتيح للجمهور الابتعاد عن الهواتف ومشاركة تجربة المشاهدة مع الآخرين.
وبحسب باركر، أظهر نجاح «Obsession» أن الجمهور الشاب لا يزال مستعداً للذهاب إلى السينما، خصوصاً عندما تكون فكرة الفيلم سهلة التقديم في جملة واحدة؛ إذ يمكن اختصار قصته باعتبارها «أمنية سارت بصورة خاطئة»، بينما ساعدت مشاهد الرعب المفاجئة على دفع المشاهدين إلى اصطحاب أصدقائهم لمشاهدة ردود أفعالهم.
عندما يصبح الفيلم أكبر من صناعه
حدد باركر محطتين رئيسيتين في رحلة «Obsession»: ما قبل عرضه في تورونتو وما بعده، ثم ما قبل طرحه تجارياً وما بعده.
فبعد عرضه في المهرجان بدأت فرص جديدة تصل إلى فريق الفيلم، لكن التحول الأكبر حدث مع وصوله إلى الجمهور، عندما أصبح العمل، بحسب باركر، «أكبر منا»، وبدأ يمتلك مساره الخاص وإرثه المستقل.
وأضاف أن الفيلم أصبح معروفاً في دول لم يزرها، وسافر إلى أماكن لم يستطع هو الوصول إليها بنفسه.
أما نافاريت، فقالت إن مجرد قبول الفيلم في برنامج Midnight Madness كان كافياً لإسعاد فريقه، حتى لو انتهت الرحلة عند تلك النقطة. لكن العودة إلى تورونتو بعد نحو عام، في ظل الانتشار العالمي الذي حققه الفيلم، منحت التجربة معنى مختلفاً.
وبينما وصف باركر النجاح بأنه مفاجئ ومثير ومصحوب بضغط كبير، ترى نافاريت أن قيمة التجربة لا تختصرها أرقام شباك التذاكر، وإنما تكمن أيضاً في قدرة فيلم أصلي ومنخفض الميزانية على الانتقال من شاشة صانعه القادم من يوتيوب إلى جمهور عالمي، مع الحفاظ على هويته وصوته الإنساني.
المصدر: متابعة الحقيقة الآن




